"البحث العلمي تحت مقصلة السخرة".. دكاترة المستقبل بالمغرب بين فخ "المنحة" وسندان المهام المضنية
الرباط – تحيين صحفي
في الوقت الذي ترفع فيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار شعارات "النهوض بالبحث العلمي" وجعل المغرب قطباً معرفياً، يعيش طلبة الدكتوراه (خاصة المستفيدين مما يسمى "منحة التميز" أو عقود تأطير طلبة سلك الإجازة) وضعاً سرياليّاً يصفه الكثيرون بـ "الاستغلال البشع المقنن". وضعٌ يضع الطالب الباحث في منزلة بين المنزلتين: لا هو طالب يتمتع بالتفرغ الكامل لبحثه، ولا هو موظف يحظى بحقوقه كاملة وأجره في وقته المحدد.
"المنحة" المزاجية.. أجر لا يأتي إلا متى شاءت الإدارة المعنية
أولى مظاهر المعاناة تبدأ من التسمية نفسها؛ فالوزارة تصر على تسمية التعويض المالي "منحة"، لتتحلل من أي الالتزامات قانونية تجاه هؤلاء الباحثين. لكن الواقع يؤكد أنها "أجر مقابل عمل" مع وقف التنفيذ الفوري عند أي هفوة.
والأدهى من ذلك، أن هذه "المنحة/الأجر" تخضع لمزاجية إدارية وبيروقراطية قاتلة؛ إذ لا يتوصل بها الطلبة بانتظام، بل متى "شاءت" الإدارة المعنية. وكمثال حي على هذا العبث البيروقراطي، لم يتوصل الطلبة الدكاترة بمنحتهم الخاصة بشهر ماي المنصرم حتى كتابة هذه السطور في أواخر شهر يونيو، مما يترك باحثين يقع على عاتقهم تأمين كراء وتنقل ومصاريف عيش في مواجهة المجهول وضغط الحاجة.
أعمال شاقة في الحرم الجامعي: تصحيح وحراسة بلا نوم
بالمقابل، لا تتوانى الإدارات الجامعية في تفعيل "واجبات" هؤلاء الطلبة بشكل صارم وصادم. فالطالب الباحث مطالب بـ:
- التدريس الفعلي: إلقاء المحاضرات وتأطير الحصص التوجيهية لطلبة الإجازة (خاصة في الفصول الأولى).
- حراسة الامتحانات: الوقوف لساعات طويلة في قاعات الاختبارات وضبط السير العام للامتحانات.
- مقبرة التصحيح: تسليم مئات أوراق الاختبارات للطالب الباحث ومطالبته بتصحيحها في وقت قياسي ومحدود جداً.
هذا الضغط الزمني والكمي الرهيب يحرم هؤلاء الشباب طعم النوم لأيام متتالية، ويحولهم إلى آلات تصحيح بشرية لإنقاذ المواسم الجامعية من الاكتظاظ، دون مراعاة لصحتهم النفسية أو الجسدية.
السؤال الحارق: متى سيحضر هؤلاء الدكاترة أطروحاتهم؟
إن البحث العلمي الأكاديمي، في كل دول العالم التي تحترم العقل، يتطلب التفرغ التام، الذهن الصافي، والبحث الميداني أو المخبري الفعلي. أما في الجامعات المغربية، فإن الطالب الباحث يستهلك 90% من طاقته اليومية وفترات نومه في أعمال السخرة الإدارية والتربوية. وهنا يطرح السؤال الاستنكاري نفسه على مسؤولي القطاع: متى، وفي أي وقت، سيجد هؤلاء الباحثون الفرصة للقراءة، والتحليل، وصياغة أطروحات دكتوراه ذات قيمة علمية مضافة؟
فخ "إرجاع الأموال".. الاستقالة ممنوعة والعبودية مقننة!
أقصى درجات الإجحاف تظهر عندما يقرر طالب باحث، تحت وطأة هذا الضغط النفسي الحاد والمهين، أنسنة وضعه والتخلي عن هذه المنحة وعن العمل معاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مساره العلمي. هنا تتدخل الترسانة الإدارية لتبتزه: مطالبته بإرجاع كل سنتيم أخذه منذ بداية سلك الدكتوراه!
أي منطق حقوقي أو أخلاقي هذا الذي يجبر شخصاً قدم خدمات فعلية (درس، وحرس، وصحح الأوراق ووفر على ميزانية الدولة توظيف أساتذة جدد) على إعادة المبالغ الهزيلة التي تقاضاها مقابل جهده وعرقه؟ هل أصبح العمل في الجامعة المغربية فخاً لا يمكن الخروج منه إلا بـ "غرامة تعجيزية"؟
خلاصة صرخة الدكاترة: إن ما يحدث لطلبة الدكتوراه بالمغرب ليس عدلاً، بل هو إجهاز معلن على كرامة النخبة العلمية للبلاد. يسأل الدكاترة اليوم مسؤولي بلادهم: هل هكذا نكافئ من سهروا الليالي لرفع راية العلم؟ ومتى يستوعب أصحاب القرار أن البحث العلمي استثمار في العقول، وليس استغلالاً للأيدي العاملة الرخيصة؟