الطلبة الدكاترة.. حين يتحول "الأجر" إلى "منحة" لمصادرة الحقوق بقلم: [أبو العز عزيز]
في قلب المنظومة الجامعية، وحيث يُفترض أن تُصنع النخب وتُحترم الكفاءات، تبرز مفارقة صارخة تضع شعارات "دولة الحق والقانون" على المحك. هي قصة فئة عريضة من الطلبة الباحثين بسلك الدكتوراه، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة واقع سريالي؛ حيث يؤدون أدواراً محورية تتجاوز أحياناً مهام الأساتذة الرسميين، لكنهم في المقابل يُعاملون بمنطق "الإحسان" لا "الاستحقاق"، تحت مسمى فضفاض تطلقه الإدارة وهو "المنحة".
التوصيف المغلوط: أجرٌ مُقنّع بزيّ منحة
إن أولى سقطات الإدارة الوصية تكمن في "التكييف القانوني" للمستحقات المادية لهؤلاء الباحثين. فالمعروف لغويّاً وقانونيّاً أن المنحة هي دعم مالي يُعطى لمساعدة الطالب على التحصيل العلمي دون مقابل عملي. لكن الواقع يقول إن الطالب الدكتور اليوم هو المحرك الأساسي للمدرجات والقاعات؛ فهو الذي يدرس لساعات طوال، وهو الذي يسهر على حراسة الامتحانات وتصحيحها، وهو الذي يواجه ضغط الإدارة والطلبة معاً.
هذا التوصيف بـ "المنحة" ليس مجرد خطأ اصطلاحي، بل هو استراتيجية التفافية تهدف إلى تجريد هذه الفئة من حقوقها كقوة عاملة. فالمنحة لا تخضع لضوابط الأجور، ولا تمنح صاحبها حق المطالبة بالتعويض عن التأخير، مما يفتح الباب أمام استبداد إداري يرى في هؤلاء "عمالة رخيصة" لا "مشاريع علماء".
المثالية في العطاء.. والعدمية في الجزاء
تشير المعطيات الميدانية إلى أن الطالب الدكتور بات يقوم بأعمال تفوق أحياناً ما يقوم به الأستاذ المحاضر، سواء من حيث عدد الساعات أو القرب المباشر من الطالب. ومع ذلك، تصطدم هذه التضحيات بجدار من اللامبالاة الإدارية. فكيف يعقل أن يتوقف صرف هذه المستحقات لشهور طويلة دون مبرر قانوني أو أخلاقي؟ وكيف يُطلب من باحث شاب أن يبدع وينتج معرفة وهو يفتقر لأدنى مقومات الاستقرار المالي؟
إن تأخر "الأجر/المنحة" ليس مجرد عائق مادي، بل هو إهانة لكرامة الباحث. فالإدارة التي تهدد كل من يجرؤ على الاستفسار أو المطالبة بحقه، إنما تكرس منطق "الضيعة الخاصة" بدل منطق "المرفق العمومي".
بين الدولة المؤسساتية ومنطق "الضيعة"
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل نحن بصدد إدارة تخدم مصالح الأفراد وتعترف بحقوقهم، أم أمام منظومة تدار بعقلية الإقطاع؟
إن تعامل المسؤولين مع استفسارات الطلبة بلغة التهديد والوعيد يعكس خللاً عميقاً في الوعي الإداري. فالدولة التي تطمح للرقي بمستوى البحث العلمي لا يمكنها أن تترك جنودها في الميدان (الطلبة الدكاترة) عرضة للمزاجية الإدارية والتماطل غير المبرر. إن السكوت عن هذا الوضع هو تشريع لـ "السخرة" في القرن الواحد والعشرين تحت غطاء أكاديمي.
غياب الرقيب وتغول الإدارة
إن ما يغذي هذا الوضع هو غياب المحاسبة. فالمسؤول المكلف بتقديم هذه المستحقات يتصرف وكأنه يتفضل من ماله الخاص، مستغلاً ثغرات التسمية (منحة بدل أجر) ليتملص من الرقابة. إن هذا "التماثل" في التعامل مع الأرزاق يقتضي وقفة حازمة من الجهات الرقابية في الدولة، لضمان حماية هذه الفئة التي تقدم للدولة أكثر مما تأخذ منها.
صرخة من أجل الكرامة
إن إصلاح منظومة التعليم العالي يبدأ من إنصاف مواردها البشرية. والطلبة الدكاترة ليسوا مجرد أرقام في لوائح المنح، بل هم عماد الجامعة ومستقبل البحث العلمي. إن المطالبة بتحويل هذه "المنح" إلى أجور قانونية واضحة المعالم، وصرفها في مواعيدها المحددة، هو أدنى شروط العدالة.
لقد حان الوقت لتخرج الإدارة من قوقعة "المن الممنوح" إلى فضاء "الحق المشروع". فالباحث الذي يحرس مستقبل الوطن في قاعات الامتحانات، يستحق من الوطن أن يحرس كرامته واستقراره المادي.