الوضع الليلي
Image
  • 14/09/2026
لنينيو والمغرب… حين يصبح الاستعداد لتقلبات المناخ ضرورة لا خياراً

لنينيو والمغرب… حين يصبح الاستعداد لتقلبات المناخ ضرورة لا خياراً

يتجدد الحديث عن ظاهرة النينيو وما يمكن أن تحمله من اضطرابات في أنماط الحرارة والتساقطات عبر مناطق مختلفة من العالم، ليطرح بالنسبة إلى المغرب سؤالاً مشروعاً: هل يمكن لاضطراب يبدأ على بعد آلاف الكيلومترات في المحيط الهادئ أن يؤثر فعلاً في مناخ بلادنا؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فهل نحن مستعدون للتعامل مع انعكاساته؟

 

السؤال يستحق النقاش، ولكن بعيداً عن التهويل.

 

فالنينيو لا يعني بالضرورة أن المغرب مقبل على الجفاف، كما أنه لا يعني موسماً مطيراً بصورة تلقائية. إنه عامل من عوامل منظومة مناخية شديدة التعقيد، تتداخل فيها حرارة المحيطات والضغط الجوي والتيارات الهوائية ومؤثرات المحيط الأطلسي والبحر المتوسط.

 

ومن هنا ينبغي أن ننتقل من السؤال البسيط: ماذا سيفعل النينيو بالمغرب؟ إلى سؤال أكثر أهمية:

 

كيف يمكن للمغرب أن يصبح أقل هشاشة أمام التقلبات المناخية، أياً كان مصدرها؟

 

ظاهرة تبدأ في المحيط الهادئ… ولا تتوقف عند حدوده

 

النينيو ظاهرة مناخية طبيعية مرتبطة بارتفاع غير اعتيادي في حرارة المياه السطحية في مناطق من وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، بالتزامن مع تغير في الرياح والضغط الجوي.

 

وقد يبدو للوهلة الأولى أن ما يحدث في المحيط الهادئ بعيد جداً عن المغرب حتى يكون له تأثير علينا.

 

لكن الغلاف الجوي لا يعترف بهذه المسافات بالطريقة التي نتصورها.

 

فالتغيرات الكبيرة في حرارة المحيط تؤثر في حركة الهواء ومناطق تشكل السحب والتيارات الجوية، وقد تنتقل انعكاساتها إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات فيما يعرف في علم المناخ بـالروابط المناخية البعيدة.

 

وهنا تكمن أهمية النينيو: فهو ليس مجرد ارتفاع في درجة حرارة مياه المحيط، وإنما اضطراب واسع في جزء مهم من الآلة المناخية العالمية.

 

هل يعني النينيو أن المغرب سيعرف الجفاف؟

 

ليس بهذه البساطة.

 

وهنا ينبغي أن يكون الخطاب الإعلامي شديد الدقة.

 

مناخ المغرب لا يتحكم فيه النينيو وحده، بل يتأثر بقوة بالمحيط الأطلسي والبحر المتوسط، وبموقع المرتفع الآزوري،  يعرف بـتذبذب شمال الأطلسي NAO، إضافة إلى عوامل أخرى.

 

ولهذا فإن ظهور النينيو لا يسمح لنا بأن نقول منذ الآن إن المغرب سيشهد موسماً جافاً أو مطيراً.

 

لكن الدراسات المناخية تسمح بالقول إن ظاهرة ENSO، التي يمثل النينيو طورها الدافئ، تستطيع أن تتداخل مع الدورة الجوية المؤثرة في شمال إفريقيا، وأن تكون لها علاقة بتغير توزيع الأمطار والحرارة في بعض الفصول والمناطق.

 

وهنا توجد كلمة ينبغي التشديد عليها:

 

التوزيع.

 

لأن مشكلة المغرب ليست دائماً في كمية المطر السنوية فقط، وإنما في متى يهطل المطر، وأين يهطل، وكيف يهطل.

 

قد تمطر كثيراً… ونظل أمام سنة صعبة

 

هذه إحدى المفارقات التي ينبغي أن تدخل أكثر في النقاش العمومي حول المناخ.

 

يمكن أن يسجل موسم ما كمية إجمالية محترمة من الأمطار، ومع ذلك يكون موسماً فلاحياً صعباً.

 

كيف؟

 

إذا نزل جزء كبير من المطر خلال أيام قليلة على شكل زخات قوية، فقد تتحول المياه إلى جريان سطحي وفيضانات بدل أن تتسرب تدريجياً إلى التربة والفرشات المائية.

 

وإذا جاءت الأمطار مبكراً ثم انقطعت خلال مرحلة حرجة من نمو الحبوب، فقد يبدأ الموسم بصورة ممتازة وينتهي بمردودية ضعيفة.

 

أما إذا ارتفعت الحرارة خلال مرحلة امتلاء الحبوب أو الإزهار والعقد بالنسبة لبعض الأشجار المثمرة، فإن الأثر الزراعي قد يكون مهماً حتى مع وجود أمطار سابقة.

 

لذلك فإن عدد المليمترات وحده لا يحكي قصة الموسم المناخي كاملة.

 

الفلاحة ستكون في مقدمة القطاعات المعنية

 

بالنسبة إلى المغرب، يصبح هذا النقاش أكثر أهمية لأن جزءاً مهماً من النشاط الفلاحي، وخاصة الحبوب البورية، ما زال شديد الارتباط بتوزيع الأمطار.

 

وأي اضطراب في انتظام الموسم يمكن أن ينعكس على الإنتاج، ثم على دخل الفلاح، وأسعار الأعلاف، والماشية، والواردات، وفي النهاية على جزء من القدرة الشرائية للمواطن.

 

وهنا ينبغي أن تتغير طريقة التعامل مع الموسم الفلاحي.

 

فليس من الحكمة أن تكون أولى الأمطار وحدها إشارة كافية لإطلاق جميع القرارات الزراعية.

 

المطلوب مستقبلاً هو إدماج التوقعات المناخية الموسمية بصورة أكبر في القرار الفلاحي: اختيار موعد الزرع، الأصناف، كثافة البذر، توزيع الأسمدة، السقي التكميلي وتدبير الموارد المائية.

 

إن الفلاحة الحديثة لم تعد تراقب السماء فقط.

 

إنها تراقب البيانات أيضاً.

 

الماء: الخطر ليس الجفاف وحده

 

بعد سنوات من الإجهاد المائي، أصبح من الطبيعي أن يرتبط الحديث عن المناخ في المغرب مباشرة بالجفاف.

 

لكن الاستعداد المناخي الحقيقي يفرض التعامل مع نقيضه أيضاً: الأمطار الاستثنائية والفيضانات المفاجئة.

 

وهذا ليس تناقضاً.

 

فالتغير المناخي وتقلب المناخ يمكن أن يجعلا التساقطات أقل انتظاماً وأكثر تركيزاً في فترات قصيرة.

 

وقد نجد أنفسنا أمام منطقة عانت أشهراً من الجفاف ثم تستقبل في ساعات كمية كبيرة من المياه لا تستطيع شبكات التصريف أو المجاري المائية استيعابها.

 

لذلك فإن السياسة المائية لا ينبغي أن تقتصر على السؤال:

 

كيف نوفر الماء عندما لا تمطر؟

 

بل يجب أن تضيف إليه:

 

كيف نحافظ على أكبر قدر ممكن من الماء عندما تمطر بغزارة؟

 

وهذا يفتح النقاش حول السدود، والسدود الصغرى والتلية، وتغذية الفرشات المائية، وتجميع مياه الأمطار، وحماية الأحواض، وصيانة المجاري، وتطوير شبكات تصريف مياه المدن.

 

فالماء الذي يتحول اليوم إلى فيضان قد يكون هو نفسه الماء الذي سنبحث عنه بعد أشهر.

 

مدننا أيضاً أمام اختبار مناخي

 

النينيو ليس ملفاً فلاحياً فقط.

 

فالظواهر الجوية القوية يمكن أن تختبر المدن وشبكات الصرف والطرق والكهرباء والمستشفيات ووسائل النقل.

 

وفي كثير من الأحيان، لا تتحول الأمطار القوية إلى كارثة بسبب كمية المطر وحدها، وإنما بسبب اجتماع المطر مع البناء في مناطق معرضة للخطر، أو ضعف تصريف المياه، أو انسداد المجاري، أو غياب الإنذار المبكر.

 

وهنا يصبح التكيف المناخي جزءاً من التخطيط الحضري.

 

فخريطة مخاطر الفيضانات ينبغي أن تكون حاضرة عند الترخيص بالتعمير، كما يجب تحديد النقاط السوداء في المدن قبل موسم الأمطار، وليس أثناء حدوث الفيضان.

 

وماذا عن موجات الحرارة؟

 

الوجه الآخر للتقلبات المناخية هو الحرارة.

 

ارتفاع درجات الحرارة لا يؤثر فقط في راحة الإنسان، بل يرفع الطلب على الماء والكهرباء، ويزيد تبخر المياه من السدود والتربة، ويرفع احتياجات المزروعات للسقي، ويزيد خطر الحرائق، ويمكن أن يؤثر في صحة كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعملون في الهواء الطلق.

 

ولهذا فإن موجة الحر يجب ألا ينظر إليها مستقبلاً باعتبارها مجرد نشرة جوية تعلن ارتفاع درجات الحرارة.

 

إنها مخاطرة صحية واقتصادية وفلاحية وطاقية في الوقت نفسه.

 

لا يمكننا منع النينيو… لكن يمكننا منع تحوله إلى أزمة

 

هذه ربما أهم خلاصة.

 

المغرب لا يستطيع تغيير حرارة المحيط الهادئ، ولا يستطيع إيقاف النينيو، كما لا يستطيع أن يأمر الأمطار بالنزول في موعدها.

 

لكن بين الظاهرة الطبيعية والكارثة توجد مساحة واسعة اسمها:

 

الاستعداد.

 

فالزلزال ظاهرة طبيعية، لكن جودة البناء تحدد جزءاً كبيراً من حجم الخسائر.

 

والمطر ظاهرة طبيعية، لكن شبكة التصريف والتعمير تحددان إن كان سيتحول إلى فيضان مدمر.

 

والجفاف ظاهرة مناخية، لكن طريقة تدبير الماء تحدد مدى تحولها إلى أزمة.

 

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل نستطيع منع الظاهرة؟

 

بل:

 

هل نستطيع تقليل هشاشتنا أمامها؟

 

والجواب نعم.

 

المغرب يحتاج إلى الانتقال من تدبير الأزمة إلى تدبير المخاطر

 

اعتدنا في كثير من المجالات أن تتحرك الإمكانات بصورة أكبر عندما تقع المشكلة.

 

يجف الموسم، فنبحث عن دعم الفلاحين.

 

تنخفض حقينة السدود، فنشدد إجراءات الاقتصاد في الماء.

 

تقع الفيضانات، فنفتح النقاش حول شبكات التصريف.

 

ترتفع الحرارة، فنصدر التحذيرات.

 

هذه الإجراءات ضرورية، لكنها تأتي في جزء منها بعد ظهور الخطر.

 

أما التحدي الحقيقي فهو بناء منظومة تستبق الحدث.

 

وهنا يمكن أن تكون التوقعات المناخية الموسمية أداة استراتيجية للدولة، وليس مجرد معلومات تنشرها مصالح الأرصاد الجوية.

 

فإذا كانت المؤشرات ترجح ربيعاً جافاً، ينبغي أن تصل المعلومة مبكراً إلى قطاع الفلاحة والماء والطاقة.

 

وإذا ارتفع احتمال أمطار استثنائية، يجب أن تتحول التوقعات إلى استعداد ميداني لدى الجماعات والوقاية المدنية ووكالات الأحواض المائية.

 

وإذا كان الصيف مرشحاً لموجات حرارة قوية، ينبغي أن تبدأ الاستعدادات الصحية والمائية والطاقية قبل وصول الموجة.

 

قيمة التوقع المناخي ليست في معرفتنا بما قد يحدث، وإنما في القرار الذي نتخذه قبل حدوثه.

 

من النشرة الجوية إلى القرار الاقتصادي

 

ربما حان الوقت لكي يصبح للمعلومة المناخية وزن أكبر في القرار الاقتصادي المغربي.

 

الفلاح يحتاج إليها.

 

مدير السد يحتاج إليها.

 

شركة الكهرباء تحتاج إليها.

 

الجماعة الترابية تحتاج إليها.

 

قطاع الصحة يحتاج إليها.

 

وشركات التأمين والنقل والسياحة والبناء تحتاج إليها أيضاً.

 

بل حتى المواطن يحتاج إلى ثقافة مناخية جديدة تمكنه من فهم الفرق بين التوقع واليقين، وبين موجة حر عابرة واتجاه مناخي طويل الأمد.

 

إن بناء ثقافة وطنية للمخاطر المناخية قد يصبح خلال السنوات المقبلة جزءاً أساسياً من التنمية.

 

النينيو ليس هو المشكلة الحقيقية

 

في النهاية، ربما يكون أهم درس تقدمه لنا ظاهرة النينيو هو أنها تكشف مدى ترابط العالم الذي نعيش فيه.

 

اضطراب في حرارة مياه تقع على بعد آلاف الكيلومترات قد يساهم في تعديل حركة الغلاف الجوي، وقد تظهر انعكاساته في مناطق بعيدة.

 

لكن بالنسبة إلى المغرب، ينبغي ألا يتحول النينيو إلى مصدر للتهويل أو إلى تفسير جاهز لكل جفاف أو فيضان.

 

فالمناخ أكثر تعقيداً من ذلك.

 

النينيو ليس المشكلة الحقيقية.

 

المشكلة الحقيقية هي أن تدخل المجتمعات عصر التقلبات المناخية المتزايدة وهي غير مستعدة لها.

 

أما المجتمع الذي يمتلك التوقع المبكر، والمعلومة الدقيقة، والبنيات التحتية المناسبة، والفلاحة المتكيفة، والسياسة المائية المرنة، وخطط حماية السكان، فإنه يستطيع أن يحول المعلومة المناخية من خبر يثير القلق إلى أداة لاتخاذ القرار.

 

لقد أصبح واضحاً أن الماء والفلاحة والطاقة والصحة والتعمير لم تعد ملفات منفصلة عن المناخ.

 

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من ثقافة «ماذا سنفعل إذا وقع الأسوأ؟» إلى ثقافة أكثر تقدماً:

 

«ماذا ينبغي أن نفعل اليوم حتى لا يتحول ما قد يقع غداً إلى أزمة؟»

 

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للحديث عن النينيو.

 

ليس في الخوف مما سيأتي من المحيط الهادئ، وإنما في استغلال الإنذار العلمي لكي نكون أكثر استعداداً هنا، في المغرب