الوضع الليلي
Image
  • 16/07/2026
«أساتذة بلا أجور».. صرخة الطلبة الدكاترة في الجامعات المغربية  : ملف الأسبوع | تحقيق

«أساتذة بلا أجور».. صرخة الطلبة الدكاترة في الجامعات المغربية : ملف الأسبوع | تحقيق

ملف الأسبوع | تحقيق

 

«أساتذة بلا أجور».. صرخة الطلبة الدكاترة في الجامعات المغربية

تدريسٌ بالمجان، وترهيبٌ إداري، وأبوابٌ موصدة في وجه «نخبة البلاد»

ثلاثة أشهر كاملة بلا درهم واحد. آلافُ الطلبة الباحثين بسلك الدكتوراه يُدرّسون طوال السنة، ويحرسون الامتحانات، ويصححون آلاف الأوراق، ويحضّرون المحاضرات، ثم حين يسألون عن أجورهم يأتيهم الجواب مشفوعاً بالوعيد: «سنراجع ملفاتكم لنرى إن كنتم تستحقون». هذا الملف يفتح الوجه الخفي لأزمة صامتة تنخر الجامعة المغربية: كيف تحوّلت «نخبة البلاد» إلى يد عاملة رخيصة تُسدّ بها الثغرات؟ ومن يحاسب إدارةً تُوقّع العقود ثم تتنكر لها بجرة قلم؟ وأيّ بحث علمي يمكن أن ينهض فوق أنقاض كرامة الباحثين؟

 

الرباط ـ  ابو العز عزيز

في مفارقة صارخة تضع شعار «النهوض بالبحث العلمي» على المحك، يعيش الطلبة الباحثون بسلك الدكتوراه في الجامعات المغربية، منذ شهر ماي الماضي، أزمةً خانقة تتقاطع فيها قسوة الاستغلال المهني مع فجاجة الترهيب الإداري. فلثلاثة أشهر متتالية، وجد هؤلاء الشباب ـ وهم صفوة ما أنتجته الجامعة المغربية من كفاءات ـ أنفسهم بلا مورد رزق، بعدما توقف صرف مستحقاتهم المالية التي يُصرّ المركز الوطني للبحث العلمي والتقني، ومعه وزارة التعليم العالي، على تسميتها «منحة»، والحال أنها أجرٌ فعليّ مقابل خدمات جليلة يقدمونها يومياً للجامعة العمومية.

والأدهى أن الأمر لا يتعلق بخلل عابر في مسطرة الصرف، ولا بتأخير تقني يمكن تفهمه وتجاوزه، بل بمنظومة كاملة قامت ـ كما تكشف معطيات هذا الملف ـ على معادلة بسيطة ومُرّة: تشغيلُ نخبة الباحثين بمهام الأساتذة كاملة، وبنصف الأجر تقريباً، ثم تركُهم شهوراً بلا أجر أصلاً، تحت رحمة إدارة تُوزّع الوعيد بدل الحقوق، وتستقبل أصحاب الملفات في الباحات الخارجية بدل المكاتب.

إنها قصة جيل كامل من الباحثين الشباب راهنوا على الجامعة العمومية، فوجدوا أنفسهم عالقين في منطقة رمادية بين صفة الطالب وصفة الموظف: يُطالَبون بواجبات هذا وذاك معاً، ولا يتمتعون بحقوق أيٍّ منهما. قصة تستحق أن تُروى بتفاصيلها، لأن ما يجري اليوم في أروقة الكليات ومكاتب الإدارات المركزية ليس مجرد نزاع حول تعويضات متأخرة، بل اختبارٌ حقيقي لجدية الدولة في كل ما ترفعه من شعارات حول الجامعة والبحث والابتكار.

 

يومٌ في حياة «أستاذ بلا اسم»

لكي نفهم حجم المفارقة، يكفي أن نتتبع يوماً نموذجياً من أيام هؤلاء الباحثين، وهو يومٌ يتكرر بتفاصيل متشابهة في مدرجات فاس والرباط ومراكش وأكادير وسائر الجامعات المغربية. يستيقظ الطالب الباحث باكراً ليلتحق بالكلية، حيث تنتظره حصص الأعمال التوجيهية أمام أفواج من الطلبة قد يتجاوز عددهم في القاعة الواحدة ما يستقبله أستاذ رسمي. يشرح، ويجيب عن الأسئلة، ويدير النقاش، ويضبط الحضور والغياب، تماماً كما يفعل أي أستاذ للتعليم العالي.

في فترات الامتحانات، يتحول إلى حارس قاعات، يقف الساعات الطوال مراقباً، ثم يعود إلى بيته محمّلاً برزم من أوراق التحرير التي عليه تصحيحها في آجال ضيقة، وقد تُعدّ بالمئات بل بالآلاف على امتداد الدورات. وبين هذا وذاك، عليه أن يحضّر دروس الأسبوع المقبل، وأن يتنقل يومياً ـ على نفقته الخاصة في الغالب ـ بين مقر سكناه ومقر عمله، وأن يستجيب لطلبات الإدارة المحلية للكلية التي تتعامل معه، عند الحاجة، كموظف تحت إمرتها.

ثم يأتي الليل، وهو الوقت الوحيد المتبقي نظرياً «للمهمة الأصلية»: الأطروحة. قراءة المراجع، جمع المعطيات الميدانية، الكتابة، المراجعة، التواصل مع المشرف. أي طاقة تبقّت لهذا كله بعد يومٍ كاليوم الموصوف؟ وأي عدالة في أن يُحاسَب هذا الباحث، بعد سنوات، على تعثر أطروحته، وقد صادرت الإدارةُ وقتَه وجهدَه في مهام لم تُحدث من أجلها منحة الدكتوراه أصلاً؟ إنه «أستاذ بلا اسم»: يقوم بكل شيء، ولا يُعترف له بشيء.

 

«سدّ الخصاص» بأقل تكلفة.. المعادلة المُرّة

لم تعد إدارات الجامعات عبر التراب الوطني تكلّف نفسها عناء توظيف أساتذة جامعيين جدد لسدّ الخصاص المهول في الأطر التربوية، وهو خصاص يتفاقم سنة بعد أخرى مع تزايد أعداد الطلبة وإحالة أفواج من الأساتذة على التقاعد. فالأستاذ الجامعي المتخرج يكلّف ميزانية الدولة ما يناهز 16 ألف درهم شهرياً، فضلاً عما يترتب عن التوظيف الرسمي من تغطية صحية وتقاعد وترقيات ومسار مهني مضمون.

وبدل فتح مناصب مالية حقيقية بحجم الحاجة، اهتدت الوزارة الوصية إلى «حل سحري» يوفر عليها كل ذلك: تشغيلُ الطلبة الدكاترة للقيام بالمهام ذاتها تقريباً، مقابل تعويض شهري لا يتجاوز 7 آلاف درهم، بلا ترقية، ولا مسار، ولا ضمانات. عمليةٌ حسابية باردة: أقل من نصف الكلفة، مقابل العمل نفسه أو أكثر. رابحها الوحيد هو الميزانية على المدى القصير، وخاسرها الجامعة والباحث والبحث العلمي والأجيال القادمة من الطلبة جميعاً.

والحصيلة أن قطاعاً حيوياً بحجم التعليم العالي صار يقوم، في جزء غير يسير من عملياته اليومية، على أكتاف فئة هشة قانونياً، يمكن الاستغناء عنها متى شاءت الإدارة، ويمكن ـ كما سنرى ـ تجويعها متى تعطلت مسطرة أو غاب موظف. فهؤلاء الطلبة لا يكتفون بالبحث العلمي كما يفترض القانون والمنطق، بل يُدرّسون طوال السنة الجامعية، ويحرسون الامتحانات، ويصححون الآلاف من أوراق التحرير، ويتحملون مشاق التنقل اليومي وضغوط الإدارات المحلية للكليات. إنهم، باختصار شديد: أساتذة بمهام كاملة، ولكن بحقوق مسلوبة، وبأجر هزيل حين يُصرف، ومنعدم حين تشاء الإدارة.

«منحة» أم أجر؟ معركة المصطلحات ليست بريئة

 

قد يبدو الجدل حول التسمية ترفاً لغوياً، لكنه في الحقيقة جوهر القضية كلها. فالإدارة تُصرّ على كلمة «منحة»، لأن المنحة ـ في القاموس الإداري ـ عطاءٌ تتفضل به الدولة، يجوز تأخيره، ويجوز مراجعته، ويجوز، عند الاقتضاء، استرجاعه، دون أن يترتب عن ذلك أي التزام تعاقدي واضح. أما «الأجر»، فيستتبع كل ما تكرهه الإدارة في هذا الملف: علاقة شغل، وواجبات متبادلة، وآجال صرف ملزمة، ومسؤولية قانونية عند الإخلال.

لكن الوقائع أقوى من المصطلحات. فحين يُشترط على المستفيد التفرغُ التام وعدم مزاولة أي نشاط آخر، وحين تُسند إليه مهام التدريس والحراسة والتصحيح بجداول زمنية محددة، وحين يخضع لسلطة الإدارة وتوجيهاتها ومراقبتها، فنحن أمام كل مقومات علاقة الشغل، مهما كانت التسمية التي تُلصق بالمقابل المالي. وتسميةُ الأجر «منحةً» ليست سوى حيلة لغوية تُجرَّد بها هذه الفئة من الحماية التي يوفرها قانون الشغل لأي عامل، وتُفتح بها الأبواب لكل أشكال التلاعب التي يوثقها هذا الملف.

فخّ «التفرغ التام».. حين يتحول الشرط إلى مصيدة

ما يزيد هذه الوضعية مرارةً هو الشروط الصارمة التي فرضتها الوزارة على المستفيدين من هذا التعويض. فقد اشترطت عليهم «التفرغ التام» وعدم مزاولة أي نشاط مهني آخر، مهما كان جزئياً أو عرضياً. والمنطق المعلن لهذا الشرط مفهوم في ظاهره: باحثٌ متفرغ يعني أطروحة في وقتها وبحثاً بجودة أعلى. لكن المنطق الفعلي الذي أفرزته الممارسة كان شيئاً آخر تماماً: تفرغٌ للتدريس والحراسة والتصحيح، لا للبحث؛ وارتهانٌ كامل لمورد وحيد يمكن قطعه في أي لحظة.

وقد استجاب الكثيرون لهذا الشرط بحسن نية، بل إن منهم من قدّم استقالته من وظيفة قارّة كان يقتات منها هو وأسرته، طمعاً في هذا الأجر المتواضع من جهة، وفي اكتساب تجربة بيداغوجية داخل أروقة الجامعة قد تؤهله ليصبح أستاذاً رسمياً بعد ثلاث سنوات من العمل الشاق، من جهة أخرى. راهنوا على وعد الدولة، فأحرقوا سفنهم وقطعوا كل جسور العودة إلى سوق الشغل.

لكن النتيجة كانت كارثية بكل المقاييس: باحثون شباب معزولون عن أي مصدر دخل بديل، يعملون بكامل طاقتهم في ظل غياب أي التزام من الإدارة بصرف أجورهم في مواعيدها. فبأي منطق يُطلب من باحث شاب التفرغُ الكامل للتدريس والبحث، ثم يُترك أشهراً طويلة دون درهم واحد يعينه على أعباء الحياة وتكاليف البحث العلمي، من مراجع ومشاركات في الندوات وتنقلات ميدانية؟ إنه فخّ محكم الإغلاق: تفرّغٌ إجباري بلا أجر مضمون، وأطروحةٌ مؤجلة بحكم الإنهاك، وبابُ عودةٍ إلى الحياة المهنية السابقة قد أُغلق إلى غير رجعة.

ثلاثة أشهر بلا درهم.. حسابُ الانتظار

 

منذ ماي الماضي، توقف الصرف. ثلاثة أشهر قد تبدو، من مكاتب الإدارة المكيفة، مجرد فاصل زمني في مسطرة تحتاج «تحييناً» أو «مراجعة». لكنها، من الجهة الأخرى، ثلاثة أشهر من واجبات الكراء التي لا تنتظر، وفواتير الماء والكهرباء التي لا ترحم، ومصاريف التنقل اليومي إلى كلية يواصل الباحث العمل فيها رغم كل شيء، ونفقات أسرٍ صغيرة بناها بعض هؤلاء الباحثين على أساس دخلٍ ظنوه مضموناً ما داموا يؤدون واجبهم.

ثم هناك كلفة لا يراها أحد: كلفة البحث العلمي نفسه. فالأطروحة الجادة تحتاج كتباً ومراجع تُقتنى، وقواعد بيانات يُشترك فيها، ومشاركات في مؤتمرات تُؤدى رسومها وتنقلاتها، وأحياناً عملاً ميدانياً له مصاريفه. حين ينقطع الدخل، فأول ما يُضحّى به هو هذه النفقات بالذات، أي جودة البحث ذاتها. وهكذا تتحقق النبوءة المقلوبة: الشرط الذي وُضع باسم التفرغ للبحث صار، بفعل سوء التدبير، أكبر عائق أمام البحث.

والأنكى أن الباحث، طوال هذه الأشهر، لم يتوقف يوماً عن العمل. الحصص استمرت، والحراسة استمرت، والتصحيح استمر. الطرف الوحيد الذي جمّد التزاماته هو الإدارة. فلو عكسنا الوضع لحظةً وتخيلنا باحثاً توقف عن أداء مهامه ثلاثة أشهر، فهل كانت الإدارة ستكتفي بانتظاره بصبر، أم كانت ستسارع إلى الاقتطاع والتوبيخ والحرمان؟ الجواب معروف، وهو وحده يكفي لفضح اختلال ميزان العلاقة بين الطرفين.

«أعيدوا ما أخذتم».. الترهيب بدل الإنصاف

«سنراجع ملفاتكم لنرى إن كنتم تستحقون هذه الأجور أم لا، ومن لا يستحق عليه إرجاع كل ما أخذه سابقاً!»

 

بدل البحث عن حلول عاجلة لهذه الشريحة التي يفترض أنها «نخبة المجتمع»، تلجأ الإدارة المختصة إلى أساليب ترهيبية لا تليق بمؤسسة عمومية. فكلما رفع الطلبة الدكاترة أصواتهم مطالبين بمستحقاتهم، كان الجواب جاهزاً ومشحوناً بالوعيد أعلاه. وليقف القارئ لحظة عند دلالة هذا الجواب: إدارةٌ يُسأل عنها في تأخير أجور، فترد بتهديد السائلين بمراجعة استحقاقهم أصلاً، وبمطالبتهم بإرجاع ما تقاضوه عن عملٍ أنجزوه فعلاً!

أيُّ عقل إداري هذا الذي يطلب من عامل أفنى وقته وجهده، وأدى واجبه التدريسي والجامعي على أكمل وجه، أن يعيد أجر عمله؟ إنه الاضطهاد النفسي في أبشع صوره، و«الحمق الإداري» بعينه: تحويل الحق المكتسب إلى تهمة معلقة فوق الرؤوس، وتحويل المطالبة المشروعة إلى مجازفة قد تكلّف صاحبها ما تبقى له من استقرار. والغاية المضمرة واضحة لكل ذي بصيرة: إسكات الأصوات، وتحويل كل باحث إلى كائن خائف منعزل، يحسب ألف حساب قبل أن يسأل عن أبسط حقوقه.

وهنا يلمس المرء البعد النفسي العميق للأزمة، وهو بعدٌ لا تلتقطه الأرقام. فالمسألة لم تعد مسألة درهم يتأخر، بل مسألة كرامة تُهان يومياً: باحثٌ يقف أمام طلبته صباحاً بموقع الأستاذ الواثق، ثم يقف مساءً بموقع المتهم أمام إدارةٍ تلوّح بمراجعة «استحقاقه». هذا التمزق اليومي بين الصورتين يترك ندوباً لا تندمل بسهولة، ويطرح سؤالاً موجعاً: أي أستاذ للمستقبل نُعدّ حين نعلّم خيرة شبابنا، في أول احتكاك لهم بالوظيفة العمومية، أن الحق يُنتزع بالاستجداء وأن السؤال عن الأجر مجازفة؟

عقودٌ ممضاة.. وحبرٌ يتبخر

قد يظن القارئ أن هذه العلاقة الملتبسة قامت على تفاهمات شفوية غامضة، فيلتمس للإدارة بعض العذر. والحقيقة عكس ذلك تماماً: فقد التزمت الإدارة تجاه هؤلاء الطلبة الدكاترة بوثائق وعقود مكتوبة وممضاة، تضمن حقوقهم المادية بوضوح، وتحدد واجباتهم التي أوفوا بها كاملة وزيادة. ثم جاء الإخلال بكل هذه الالتزامات بجرة قلم، دون تعليل، ودون إشعار، ودون أن يكلف أحدٌ نفسه عناء الاعتذار.

ومن العار أن يصدر هذا السلوك عن مؤسسات يُفترض أنها مدرسة المجتمع في احترام القانون. فحين توقّع الدولة التزاماً ثم تتنكر له، فإنها لا تخسر ثقة بضعة آلاف من الباحثين فحسب، بل تضرب في العمق فكرةَ العقد ذاتها، وتعلّم الجميع درساً خطيراً: أن التوقيع لا يلزم إلا الطرف الضعيف. وفي المقابل، يستمر الطلبة في أداء واجباتهم وأكثر، تحت تهديد مزدوج: تهديد إدارة الأجور بالمراجعة والاسترجاع، وتهديد إدارات الكليات بالمساءلة عند أي تقصير. طرفٌ ملتزم إلى حد الإنهاك، وطرفٌ متحلل من كل شيء إلى حد الاستهتار.

بنايات شاهقة وأبواب موصدة في قلب العاصمة

ولا تتوقف المعاناة عند التأخير والوعيد، بل تمتد إلى تفاصيل الاستقبال اليومية التي تختصر فلسفة الإدارة في التعامل مع هذه الفئة. فالمعاملة التي يلقاها هؤلاء الباحثون حين يتوجهون للاستفسار عن مآل ملفاتهم لدى المركز المكلف في قلب العاصمة الرباط تعكس نظرة احتقار لا مبرر لها. فرغم البناية الشاهقة الممتدة على هكتارات مكلفة من المال العام، يُمنع الطلبة الدكاترة من ولوجها، ولا يُستقبلون إلا في الباحة الخارجية للإدارة، واقفين تحت الشمس أو في البرد، كطالبي إحسان لا كأصحاب حق.

المشهد رمزيٌّ إلى حد الإيلام: في الداخل، مكاتب فسيحة وقاعات اجتماعات شُيّدت باسم البحث العلمي؛ وفي الخارج، الباحثون أنفسهم، موضوعُ هذه المؤسسة وسببُ وجودها، ممنوعون من عتبة الباب. مشهدٌ يطرح سؤالاً جوهرياً لا يحتمل المراوغة: ألم تُشيَّد هذه البنايات بأموال دافعي الضرائب لخدمة أبناء الشعب، وفي مقدمتهم نخبة الباحثين الذين يُراد لهم أن يحملوا مشعل البحث العلمي في هذا البلد؟ أم أن الجدران صارت هي المؤسسة، والإنسان مجرد زائر ثقيل يُستقبل في الباحة ويُصرف بكلمتين؟

مزاجية الإدارة.. حين يتوقف قوت الأسر على عطلة موظف

تكشف معطيات هذا الملف أن صرف تعويض السبعة آلاف درهم يخضع، في كثير من الأحيان، لمزاجية خالصة لا علاقة لها بأي مسطرة قانونية أو جدولة معلنة. فقد تتأخر مستحقات آلاف الطلبة الباحثين لمجرد غياب الموظف المكلف بالملف لسبب من الأسباب، أو لخروجه في عطلة للاستجمام خارج أرض الوطن، غير مبالٍ بآلاف الأسر التي تنتظر هذا التعويض لسدّ رمقها وتغطية مصاريف أبنائها الباحثين.

هكذا يصبح قوت أسرٍ بأكملها رهيناً بمزاج فرد أو بجدول عطله، في غياب تام لأي آلية للمداومة أو للإنابة أو للمحاسبة أو حتى للإخبار المسبق. والمفارقة أن أبسط قواعد التدبير الإداري الحديث ـ التي تُدرَّس في جامعاتنا نفسها ـ تقضي بألا تتوقف مصلحة عمومية على شخص واحد. فكيف بمصلحةٍ يتوقف عليها عيش الآلاف؟ إن استمرار هذا الوضع لا يفضح خللاً تقنياً فحسب، بل يفضح ترتيباً للأولويات يضع راحة الموظف فوق قوت المواطن، ويؤكد أن هذه الفئة، في نظر الإدارة، آخر من يُفكَّر فيه وأول من يُضحّى به.

الكلفة الخفية: أطروحات مؤجلة وعقول تحزم حقائبها

 

«أساتذة بلا أجور».. صرخة الطلبة الدكاترة في الجامعات المغربية  : ملف الأسبوع | تحقيق