الوضع الليلي
Image
  • 04/02/2026
خلف ستار

خلف ستار "البلدي".. المرصد المغربي يكشف "خديعة" اللحوم المستوردة في محلات الجزارة.

في عمق الأسواق المغربية، حيث تختلط روائح التوابل بصخب الباعة، لم يعد المواطن المغربي يكتفي بتفحص جودة قطعة اللحم المعلقة أمام المحلات، بل بات يمارس دور "المحقق" في ظل تحولات هيكلية هزت أركان المطبخ المغربي. إن ما يعيشه قطاع اللحوم الحمراء اليوم ليس مجرد موجة غلاء عابرة، بل هو مخاض عسير لقطاع يترنح بين مطرقة تراجع القطيع الوطني وسندان الاستيراد الذي أفرز "أزمة ثقة" تتجاوز حدود الثمن لتصل إلى جوهر الشفافية.
المرصد المغربي لحماية المستهلك، وفي رصده الأخير للوضعية، وضع يده على مكمن الخلل؛ فالسوق المغربي يعيش حالة من "الضبابية المقصودة". فبينما تدخل الأطنان من اللحوم المستوردة عبر الموانئ لتغطية عجز القطيع الوطني الذي تأثر بسنوات الجفاف المجهدة، تختفي هذه "الهوية المستوردة" بمجرد وصولها إلى سكين الجزار. هنا، يدق المرصد ناقوس الخطر، معتبراً أن غياب التمييز البصري والملصقات التوضيحية في محلات الجزارة ليس مجرد تقصير إداري، بل هو آلية تتيح لبعض المضاربين بيع اللحم المستورد بأسعار "البلدي"، مما يحرم المواطن من "حق الاختيار" ويجعل من التدخل الحكومي لدعم الاستيراد مجرد ربح إضافي يصب في جيوب الوسطاء بدل أن يخفف العبء عن كاهل الأسر.
وبالتعمق في الأرقام التي تفسر هذا الواقع، نجد أن القطيع الوطني فقد جزءاً كبيراً من توازنه نتيجة غلاء الأعلاف والظروف المناخية، ما جعل الاستيراد شراً لا بد منه لتأمين حاجة المغاربة الذين يستهلكون ما يقارب 17.2 كيلوغراماً للفرد سنوياً. ومع ذلك، يظل الهاجس الصحي والشرعي حاضراً بقوة؛ وهنا يأتي دور المكتب الوطني للسلامة الصحية (ONSSA) الذي يفرض بروتوكولات صارمة تبدأ من شهادة "حلال" في بلد المنشأ وتنتهي بالفحوصات المخبرية الدقيقة. لكن، ورغم هذه الضمانات التقنية، يبقى السؤال الأخلاقي قائماً: لماذا يغيب الوضوح في نقط البيع النهائية؟
إن الأزمة الحقيقية التي يرصدها الخبراء والفاعلون الحقوقيون تكمن في "سلسلة الثقة" المفقودة. فالإعفاءات الضريبية والجمركية التي منحتها الدولة للمستوردين كان الهدف منها خفض الأسعار لتناسب القدرة الشرائية المنهكة، لكن الواقع المرير يكشف أن الثمن في الأسواق لا يزال يقاوم النزول، ما يوحي بأن هناك حلقة مفقودة في المراقبة الميدانية. إن المستهلك المغربي اليوم لا يرفض اللحم المستورد لجودته، بل يرفض أن يُباع له تحت مسمى "البلدي" بأسعار خيالية، وهو ما يفرض على الجهات الوصية الانتقال من مراقبة "السلامة الصحية" فقط إلى مراقبة "النزاهة التجارية".
ختاماً، إن إنقاذ مائدة المغاربة من هذا التخبط يتطلب جرأة في الرقابة تتجاوز تقارير المكاتب. الحاجة باتت ملحة لفرض "نظام تتبع" صارم يلزم كل نقطة بيع بإشهار مصدر لحومها بوضوح لا يقبل التأويل. فبدون هذه الشفافية، سيظل الاستيراد مجرد مسكن مؤلم لا يحل أصل الداء، وسيبقى المرصد المغربي لحماية المستهلك صوتاً ينادي في فضاء يحتاج إلى إرادة حقيقية لضبط الفوضى، لضمان ألا يتحول "حق المواطن في التغذية" إلى فرصة لـ "تسمين ثروات" المضاربين على حساب لقمة العيش.