الوضع الليلي
Image
  • 04/02/2026
لغز الضريح الذي كسر

لغز الضريح الذي كسر "الطراكس" جن يحرس المكان أم خيال يسكن العقول؟

بقلم : { اميمة بن رضوان }

في عمق حي "سيدي بوزكري" العتيق بمكناس، حيث تفوح رائحة التاريخ وتتشابك أزقة الذاكرة، لم يكن خبر "هدم" أجزاء من ضريح "سيدي بوخبزة" في أواخر عام 2025 مجرد واقعه إدارية عابرة، بل كان الشرارة التي أشعلت واحداً من أغرب السجالات بين منطق "الدولة والمؤسسات" وبين "الموروث الشعبي الغيبي".

بدأت ملامح الضريح تتغير، الصور القادمة من عين المكان كشفت عن ورش بناء واسع غيّر ملامح الضريح المتهالك، محولاً إياه إلى معلمة مُرممة بأسوار حديثة، لكن خلف هذا المشهد الهادئ، تكمن عاصفة من الحكايات التي جابت المقاهي ومنصات التواصل الاجتماعي، مفادها أن "الجرافات عجزت عن اقتلاع الجذور الروحية للمكان".
أسطورة "الآليات المشلولة"
"لقد توقفت محركات الطراكس فجأة، وانكسرت أسنان الجرافة أمام القبر!"...
هكذا يردد بعض المنجذبين للروايات الغيبية من سكان الحي ، و انتشرت إشاعة "حراسة الجن" للضريح كالنار في الهشيم، حيث زعم البعض أن قوى خفية كانت تتصدى لعمال الهدم، مما اضطر السلطات –حسب زعمهم– إلى تغيير خطتها من الهدم الكلي إلى الترميم الجزئي.
المنطق التقني يرى صورة مغايرة تماماً؛ فخبراء الهندسة المعمارية في مكناس يؤكدون أن أي تعثر في الآليات –إن حدث فعلاً– فهو ناتج عن تآكل التربة أو طبيعة البناء الحجري القديم الذي يتطلب تعاملاً خاصاً، وليس بسبب "تعاويذ" أو "حراس غير مرئيين".
المصالحة مع الذاكرة
في جولة ميدانية لجريدتنا في يناير من العام الجاري، بدا واضحاً أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قد حسمت الجدل، الضريح اليوم لا يشبه ذاك الركام الذي أثار الفزع قبل أشهر؛ فقد تمت إعادة تأهيله وفق معايير معمارية أصيلة.
ويرى باحثون في سوسيولوجيا الدين، أن تمسك الساكنة بأسطورة "الجن" هو في الحقيقة "صرخة رمزية" لحماية هوية الحي من الزحف العقاري. فالضريح بالنسبة لساكنة سيدي بوزكري ليس مجرد بناء، بل هو "صمام أمان" روحي وتاريخي في منطقة تعيش نزاعات معقدة حول الملكية العقارية.
ما بعد الضجة
اليوم، ومع هدوء عاصفة الإشاعات، يطرح ملف "سيدي بوخبزة" سؤالاً أعمق حول كيفية تدبير التراث الروحي في المغرب؛ فهل ينجح الإسمنت المسلح في طي صفحة الأساطير؟ أم أن كرامات الأولياء –حقيقية كانت أم متخيلة– ستظل أقوى من أي جرافة؟
الأكيد أن ضريح "سيدي بوخبزة" خرج من محنة "الهدم" بحلة جديدة، لكنه دخل تاريخ مكناس من باب "الغموض"، ليظل لغزاً يجمع بين قدسية المكان وهواجس الإنسان.